من يردع شراذم الشوارع ؟
علي الدليمي
يواجه المجتمع العراقي اليوم تحدياً أخلاقياً وأمنياً خطيراً يتجاوز حدود «السلوكيات الفردية» ليدخل في حيز الظاهرة المنظمة والمستفحلة. إنها ظاهرة «التحرش العلني» والاعتداء السافر على الحرمات في الأماكن العامة، الأسواق، وبوابات المؤسسات التعليمية. هذه الأفعال التي تصدر عن «شلل» من الشباب المستهتر، لم تعد مجرد خدش للحياء، بل أصبحت طعنة في خاصرة السلم المجتمعي وهيبة القانون.
نربط هذا الانفلات السلوكي وبين التراكمات السلبية التي تلت عام 2003. فقد أفرزت تلك الحقبة جيلاً من «المتنمرين» الذين نشأوا في ظل غياب الرادع القانوني وضعف الرقابة الأسرية.
إن هؤلاء الشباب الذين «عثوا في الأرض فساداً» لم يجدوا أمامهم حائطاً صد منيعاً، لا من جانب العائلة التي أهملت واجبها التربوي والمتابعة الدقيقة، ولا من جانب المؤسسة الأمنية التي يبدو أنها تهاونت في تطبيق العقوبات الصارمة، مما كرس مقولة: «من أمن العقاب، أساء الأدب».
لم يقف الاستهتار عند حدود المضايقات اللفظية، بل وصل إلى مستويات إجرامية يندى لها الجبين. ففي حوادث صادمة شهدتها أغلب المحافظات العراقية مؤخراً، ومنها التحرش الجماعي العلني في مدينة البصرة، وصلت الجرأة بهؤلاء الرعاع إلى الاعتداء الجسدي لإحدى الفتيات في وضح النهار، وسط ذهول المارة وخوفهم من التدخل.
الخوف من التدخل لم يأتِ من فراغ، بل من تضخم نفوذ بعض الفئات وشعور المواطن بأن هؤلاء «المسؤولين الصغار» أو أبناء المتنفذين فوق القانون، مما جعل الشارع مستباحاً لهؤلاء الذين يتصرفون بلا وازع من ضمير أو خوف من سلطة.
وما حادثة التحرش الجماعي التي ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي في محافظة البصرة إلا دليل آخر على أن الوباء الأخلاقي قد تفشى في جسد المجتمع من شماله إلى جنوبه، مما يستوجب وقفة وطنية حازمة.
إن الاستمرار في نهج «المراقبة الصامتة» سيؤدي بالضرورة إلى انهيار ما تبقى من منظومة القيم. لذا، تبرز الحاجة الملحة اليوم إلى: تحرك حكومي عاجل، لإصدار تشريعات أو مراسيم حازمة تقضي باعتقال أي متحرش فوراً وإحالته إلى القضاء. وعقوبات رادعة، في تطبيق أقصى العقوبات القانونية والتشهير بالجناة ليكونوا عبرة لغيرهم. مع تفعيل دور الأمن، لتكثيف الدوريات في محيط مدارس البنات والجامعات والمنتزهات، وضمان حماية المواطنين الذين يبلغون عن هذه الحالات. والتأكيد على المسؤولية الأسرية، في دعوة العوائل لتحمل مسؤوليتهم التاريخية في مراقبة سلوك أبنائهم قبل أن يتحولوا إلى وقود للفوضى.
إن كرامة المرأة العراقية وأمن الشارع ليسا مجالاً للمساومة أو «التميع» القانوني.
إنها دعوة مخلصة لكل صاحب قرار، اقطعوا دابر هذه الفتنة قبل أن تتحول الشوارع إلى غابة يحكمها الرعاع والمستهترون.