دهوك – الزمان
يصمد جسر عثماني يزيد عمره على مائة عام في قضاء داقوق بمحافظة كركوك شمالي العراق بوجه الفيضانات والسيول، محافظًا على وظيفته الحيوية كما كان قبل أكثر من قرن، في مشهد يعيد فتح النقاش حول متانة العمارة التاريخية وقدرتها على تحدي الزمن، فيما نشرت وكالة الأناضول صورة للجسر للدلالة على متانته وصموده بوجه الزمن لاسيما في الأسابيع الأخيرة التي شهدت سيولا جارفة من الجبال الى الوديان.
ويؤدي الجسر المعروف محليًا باسم “الجسر العثماني في داقوق” دورًا محوريًا في ربط ضفتي نهر داقوق، إذ كان على مدى عقود طويلة أحد أهم المعابر التي سلكتها القوافل التجارية القادمة من شمال العراق باتجاه بغداد وجنوب البلاد، ما جعله شريانًا اقتصاديًا وإنسانيًا أساسيًا في مرحلة تاريخية سابقة على شبكات الطرق الحديثة.
ويبرز الجسر اليوم بوصفه شاهدًا معماريًا على الحقبة العثمانية، حيث بُني باستخدام الحجارة المحلية وتقنيات تقليدية اعتمدت الأقواس المتينة وتوزيع الأحمال بشكل دقيق، وهو ما يفسر صموده المتكرر أمام عوامل التعرية وتقلبات الطبيعة، وفق باحثين في التراث العمراني تحدثوا في مناسبات سابقة عن تفوق تلك المدارس الهندسية على بعض المنشآت الحديثة.
ويستقطب الجسر اهتمام السكان المحليين مع كل موسم أمطار، ولا سيما خلال موجة الأمطار الغزيرة التي يشهدها العراق منذ التاسع من ديسمبر/كانون الأول، والتي تسببت بسيول جارفة ألحقت أضرارًا بعدد من البنى التحتية والمباني في محافظة كركوك، في حين ظل الجسر العثماني قائمًا دون تصدعات تُذكر، في مفارقة لافتة تداولها ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي.
وينشر مدونون محليون صورًا ومقاطع فيديو للجسر وهو يواجه ارتفاع منسوب المياه، وكتب أحدهم على منصة إكس أن “الجسر العثماني في داقوق صمد مرة أخرى، بينما انهارت طرق حديثة بُنيت قبل سنوات قليلة”، في تعليق أعاد طرح أسئلة تتعلق بمعايير البناء والصيانة في المشاريع المعاصرة.
ويؤكد مختصون في شؤون الآثار أن الجسر لا يمثل مجرد معبر مائي، بل يعد جزءًا من الذاكرة الجمعية للمنطقة، لما ارتبط به من حكايات السفر والتجارة والتواصل بين المجتمعات، محذرين في الوقت نفسه من غياب برامج صيانة دورية قد تهدد سلامته مستقبلًا رغم صلابته التاريخية.
ويفتح هذا الصمود الباب أمام دعوات متزايدة لتحويل الجسر إلى معلم سياحي وتراثي محمي، مع إدراجه ضمن خطط المحافظة للحفاظ على الآثار، خصوصًا في ظل التغيرات المناخية التي باتت تفرض ضغوطًا غير مسبوقة على البنى التحتية القديمة والحديثة على حد سواء.