الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإحتراف .. العقلية قبل الموهبة

بواسطة azzaman

الإحتراف .. العقلية قبل الموهبة

قصي زاهد

 

في السنوات الأخيرة، تغيّرت خارطة كرة القدم العربية بشكل واضح لا يقبل الجدل. ولم يعد الحديث يدور حول محاولات أو مشاريع قيد الدراسة، بل عن واقع جديد فرضته دول أدركت أن كرة القدم اليوم صناعة متكاملة، لا هواية موسمية.

فالمملكة العربية السعودية تحولت إلى وجهة عالمية بعد استقطاب نجوم الصف الأول، ضمن مشروع واضح يجمع الاستثمار، والتخطيط، والبناء طويل الأمد. أما قطر، فقد نجحت في تنظيم مونديال تاريخي، وخلّفت إرثًا من الملاعب والبنى التحتية المصنّفة حاليًا من بين الأفضل عالميًا. في المقابل، واصلت الإمارات، بهدوء واستمرارية، تثبيت مكانتها كمركز للبطولات والتنظيم والاستقرار الإداري.

وسط هذا المشهد المتسارع، يبرز السؤال الأبرز الذي يشغل الشارع الرياضي العراقي: أين العراق من هذه المعادلة؟ الإجابة المؤلمة أن العراق لم يفشل بسبب نقص الإمكانيات، بل بسبب غياب الرؤية والتخطيط. فالكرة العراقية ما زالت تُدار بعقلية ردّ الفعل، لا بعقلية المشروع. وكل الملفات المثيرة للجدل اليوم ليست سوى انعكاس لهذا الخلل البنيوي، وعلى رأسها ملفات الملاعب والبنى التحتية، وطريقة التعامل معها بوصفها غاية لا وسيلة. فبعد افتتاح هذه المنشآت، توقّف التفكير، وغابت الإدارة، وتُركت منظومة التشغيل والصيانة بلا إطار واضح، لتتحول الفرصة إلى عبء ثقيل متراكم.

وعلى الرغم من أهمية البنية التحتية في تطور أي مجال حيوي، ومنها الرياضة، فإن المشكلة الأعمق تبقى في منظومة تطوير اللاعب. فالعراق يملك عددًا كبيرًا من المواهب المهدرة على مختلف الأصعدة نتيجة غياب الرؤى والتخطيط طويل الأمد. ففي دول الخليج على سبيل المثال، أصبح الفكر العام للتطوير قائمًا على التدريب العلمي، وبرامج اللياقة والتغذية، تحت إشراف طبي ونفسي متخصص، على الرغم من محدودية المواهب المحلية في بعض هذه الدول. في المقابل، يعتمد اللاعب العراقي غالبًا على الجهد الشخصي في ظل غياب هذه البرامج، لتكون النتيجة افتقار أغلب لاعبينا إلى أبسط أسس الاحتراف والانضباط.

هذا الخلل في التأسيس ينعكس بشكل مباشر على مسار اللاعب العراقي، لا سيما عند الحديث عن الاحتراف خارج البلاد. فغياب البرامج التطويرية داخل الدوري المحلي لا يؤثر على الجانب البدني والفني فحسب، بل يمتد ليطال العقلية الاحترافية نفسها. فاللاعب الذي لم يمر بمنظومة تدريب علمية منذ الصغر، ولم يعتد على الانضباط اليومي، يجد نفسه فجأة أمام بيئة احترافية صارمة لا تشبه ما اعتاد عليه، فتكون الصدمة أكبر من قدرته على التكيّف.

ومن أبسط متطلبات الاحتراف الخارجي اليوم إتقان لغة بلد الاحتراف، أو على الأقل اللغة الإنجليزية، بوصفها أداة تواصل أساسية مع الجهاز الفني وزملاء الفريق. ومع ذلك، يغادر كثير من اللاعبين العراقيين إلى تجارب خارجية وهم غير مهيئين لغويًا وثقافيًا، ليجد اللاعب نفسه داخل فجوة تواصل حقيقية. هذه الفجوة لا تؤثر على استيعاب التعليمات الفنية فحسب، بل تعمّق العزلة النفسية وتضع اللاعب تحت ضغط إضافي لم يكن مستعدًا له. إلى جانب ذلك، يبرز عامل الانضباط والالتزام بوصفه أحد أبرز التحديات. فاللاعب الذي نشأ في بيئة لا تُحاسب على التفاصيل الصغيرة، كالمواعيد ونمط الحياة اليومية، يصطدم عند انتقاله إلى دوريات أكثر تنظيمًا بثقافة عمل مختلفة تمامًا. وفي كثير من الحالات، لا تكمن المشكلة في ضعف الموهبة، بل في عدم القدرة على التكيّف مع هذا النظام، ما يدفع اللاعب إلى التفكير بالانسحاب المبكر بدل ان يصبر ويثابر على تجربته. أما العامل الأكثر إهمالًا في تقييم تجارب الاحتراف العراقية، فهو الجانب النفسي. فاللاعب العراقي غالبًا ما يدخل تجربة الاغتراب من دون أي تهيئة ذهنية حقيقية. إذ تتحول ضغوط المنافسة، والعيش خارج البيئة الاجتماعية المعتادة، وتوقعات النجاح السريع، إلى عبء نفسي ثقيل في ظل غياب الدعم المتخصص. ومع أول تعثر، تتراجع الثقة، وتتسارع القرارات الخاطئة، وينتهي المشروع قبل أن يبدأ فعليًا.ولا يتوقف أثر ذلك عند فشل التجربة الخارجية، بل يمتد إلى مرحلة العودة. فكثير من اللاعبين الذين عادوا من محطات احترافية قصيرة لم يعودوا بإضافة فنية حقيقية، نتيجة قلة المشاركات والابتعاد عن أجواء المنافسة، ثم العودة إلى بيئة محلية لا تساعد على إعادة البناء. وهنا تُهدر الموهبة مرتين: مرة عند الخروج غير المدروس، ومرة عند العودة غير المحسوبة.في المقابل، تُظهر التجارب العربية الناجحة في الملاعب الأوروبية أن الفارق لم يكن في الموهبة وحدها، بل في العقلية التي أُعدّ بها اللاعب منذ المراحل الأولى. فنجاحات لاعبين مثل محمد صلاح وعمر مرموش لم تكن ثمرة الموهبة فقط، بل نتيجة منظومة متكاملة صنعت لاعبًا يعرف كيف يطوّر نفسه، وكيف يصبر، وكيف يحوّل كل محطة إلى خطوة أعلى في مسيرته.في المحصلة، لم تكن مشكلة الكرة العراقية يومًا ندرة المواهب، بل غياب النظام القادر على حمايتها وتطويرها. فالاحتراف ليس عقدًا يُوقّع، ولا سفرًا إلى الخارج، بل عقلية تُبنى، ومنظومة تُدار، ومشروع يحتاج إلى الصبر والاستمرارية.

القضية، في جوهرها، ليست في عدد المواهب التي نملكها، بل في كيفية إعدادها وتطويرها بوصفها مشروع دولة، بعيدًا عن الاجتهادات الفردية غير المجدية. وإذا لم تتحول كرة القدم في العراق من ردّة فعل إلى مشروع، ومن فوضى قرارات إلى نظام عمل، فسيبقى اللاعب العراقي موهوبًا… لكن خارج حسابات الاحتراف الحقيقي.

 

 


مشاهدات 58
الكاتب قصي زاهد
أضيف 2026/01/06 - 3:12 PM
آخر تحديث 2026/01/08 - 10:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 401 الشهر 5542 الكلي 13112965
الوقت الآن
الخميس 2026/1/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير