الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خطاب الشتيمة والشماتة ضدالعرب ؛الجذور والمظاهر (4-5)


خطاب الشتيمة والشماتة ضدالعرب ؛الجذور والمظاهر (4-5)

رعدهادي جبارة

 

????خصوصية المفردة القرآنية[53]

*{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}*

[آل عمران:103]

????مقدمة

في العقود الأخيرة عاد إلى الساحة خطابٌ هجوميّ مقيت يطعن العرب كأمة، ويشوّه تاريخهم، ويعمّم الذمّ على شعوبٍ وقبائل كاملة،وهو اتجاه عنصري مخالف للتقوى ومناقض للمنهج القرآني الداعي للإعتصام بحبل الله والتآلف بين الأعراق والشعوب. و المدهش أن جزءاً من هذا الخطاب -الذي يفرح أعدائنا ويريح مبغضينا - لا يصدر من خصوم الإسلام، بل من بعض قليل من الكتّاب والشعراء من عرب اللسان، أنفسهم، الذين اختاروا -لأسباب ومنافع سياسية أو أمراض نفسية- أن يوجّهوا سهام غضبهم نحو الشعوب وضد بني جلدتهم، بدلاً من الحكّام، وهم يهاجمون ويطعنون ويشتمون الناس والقبائل و الجدود، لا الأنظمةلأنهم يخشون بطشها، و تستضيفهم الحكومات في مهرجاناتها.

هذا المقال يحاول عرض جذور هذه الظاهرة، و تقديم قراءة متوازنة لخطاب التسقيط والشتم والشماتة ، و بيان خطورته على الوعي الاجتماعي والوحدة الثقافية واللحمة الوطنية والتضامن الاسلامي، لأنه يضطر العرب للدفاع عن سمعتهم مقابل تسقيطِ وشتائم من يكتب و يخطب ضدهم.

 

????أولاً:من أين جاء خطاب الكراهية واللعن ضدالعرب؟

يمكن تلخيص الجذور في أربعة أسباب رئيسية:

*1.الاضطراب السياسي والخوف؛بعض الشعراء والكتّاب بذيئي اللسان- وعددهم قليل أقل من أصابع اليد -أرادوا التعبير عن غضبهم من الواقع السياسي، لكنهم خافوا من محاسبة أصحاب النفوذ والسلطة، فتحايلوا على التعبير و صبّوا جام غضبهم على أهلنا وعمومتنا العرب.

فصار المواطن البسيط، والقبائل، والأجداد، والأرحام، مادة سهلة للهجوم، لأنها “غير قادرة على الردّ”، بينما الحكام قادرون على اعتقال الكاتب أو الشاترو معاقبته بشدة.

*2.القراءة المجتزأة للتاريخ؛يقوم بعضهم باجتزاء حوادث محدودة من صدر الإسلام ليعمّم حكماً على العرب جميعاً، ناسياً أن العرب هم الذين حملوا الرسالة ونشروها بعد أن قاومها بعضهم ثم قتلوا او أسلموا على يد النبي الأكرم وتزوج النبي بنت أحدهم، كما أن القرآن أثنى على جماعات واسعة منهم[المهاجرين والانصار].

*3.التأثر بالسرديات الاستشراقية؛بعض الخطابات الحديثة استعارت صورة “العربي المتوحش” التي رسمها مستشرقون في القرون الماضية، وبدأت في تكرارها وكأنها حقيقة تاريخية، مع أنها مزيفة ومناقضة لحقائق الحضارة.

*4.الصراع الطائفي والقومي؛تنشأ أحياناً رغبة في إبراز جماعة على حساب أخرى، فيلجأ البعض إلى تشويه العرب لإثبات تفوقٍ وهمي لأقوامٍ أخرى، وهذا الانحياز لا علاقة له بالعلم ولا بالدين.

 

????ثانياً: الشعراء البذيئون الذين سبّوا العرب… ماذا فعلوا بالضبط؟

إن التاريخ الأدبي المعاصر يشهد على فئة ضالة محدودة جداً من الشعراء الذين:

تجنّبوا انتقاد الحكومات خوفاً من العقاب.

اختاروا توجيه هجائهم للشعوب و القبائل والأجداد.

شتموا العرب ووصفوهم بصفاتٍ لا يقبلها قرآن ولا عقل ولا خلق.

لجأوا إلى الشتم بدلاً من التحليل، وإلى التجريح بدلاً من الفكر.

وهذه الظاهرة ليست شجاعة أدبية، بل انحراف أخلاقي:

إذ يشتمون من لا يملك الردّ، ويسكتون أمام من يملك القوة.

 

????ثالثاً: لماذا يُعدّ هذا الخطاب خطيراً؟

*1.لأنه يرسّخ الكراهية بين شعوب الأمة؛الهجوم على الأقوام والقبائل يولّد ردود فعل مضادة، تزرع الأحقاد بدلاً من الحوار.

*2. لأنه يخالف القرآن؛فقدنهى القرآن عن التنابز واللمز والشتيمة والبغضاء والحقد:

*{ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب}.*

كما أثنى على العرب الذين آمنوا، وعلى الأعراب الذين صدقوا وتصدقوا، وعلى الأنصار و المهاجرين وهم عرب.

*3.لأنه يزوّرالتاريخ؛

فالتاريخ واضح: العرب هم الذين حملوا لواء الإسلام، وهُم الذين أدّوا دوراً محورياً في بناء أول حضارة إسلامية أتاحت لاحقاً للأمم الأخرى المشاركة فيها، وجهودهم أنقذت الأمم من الضلال و العذاب الأخروي.

*4.لأنه يفصل الناس عن هويتهم؛فإن الطعن المستمر في الأجداد والقبائل يخلق جيلاً منبتّ الجذور، سهل التأثير عليه من الخارج.

 

????رابعاً: الردّ العلمي على خطاب الشتم:

لا نحب الردّ على الشتيمة بالشتيمة، بل بالحقائق:

1.القرآن فصل وميّز بين العرب والأعراب،

صحيح أنه ذمّ صفات بعض الأعراب السلوكية، لكنه مدح أعراباً آخرين:

*{ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله}.*

فلا مجال لتعميم الذمّ.

????2.العرب هم حملة الرسالة الأوائل:فمنهم المهاجرون و الأنصار، ومنهم شهداء بدر وأحد، ومنهم من نشر الإسلام شرقاً وغرباً.

????3.القبائل العربية قدمت للحضارة الإسلامية علماء وأطباء كثيرين ،منهم:

*الطب:(الزهراوي،ابن النفيس،ابن زهر،ابن البيطار،ابن الجزار القيرواني،داود الأنطاكي، حنين بن إسحاق العبادي، وهو مسيحي عربي، وكان صيدلانياً في جند يسابور الأحواز ثم عمل طبيبًا للعيون في بغداد، ابن زهر الإشبيلي "أبو العلاء"عربي اندلسي)

*الكيمياء:(جابر بن حيان الأزدي، الكندي محمد بن أحمد الجلدكي)

*الفيزياء والبصريات:(ابن الهيثم،الكندي،عبد الرحمن الخازني)

*الفلك:(الزرقالي،ابن الشاطرالدمشقي)

*الرياضيات والهندسة ( الكندي،ابن الهيثم، إخوان الصفا)

*الجغرافيا (الإدريسي، المسعودي، ابن بطوطة، ياقوت الحموي البغدادي الحلبي)

*الهندسة الميكانيكية ( بديع الزمان الجزري)

 *علم النبات(ابن البيطار المالقي – عربي أندلسي)

وآلاف العلماءالآخرين في مجالات كثيرة وعلوم إنسانية.

????4.الأمم الأخرى دخلت الإسلام عبر العرب..كان العرب هم الجسر الذي عبرت منه الشعوب إلى التوحيد، ثم شاركت في بناء الحضارة.

 

????خامساً: كيف نواجه خطاب التسقيط اليوم؟

*1.بالتثقيف لا بالتعصب والغضب: نعرض الحقائق، لا الشتائم ولا العصبيات.

*2.بنقد الظواهر السياسية بلا خوف؛إذ لا معنى لانتقاد المواطن الضعيف والصمت عن صاحب السلطة.

*3.بالتفرقة بين سلوك الأفراد والأمة كلها؛فالإسلام لا يُحَمّل شعباً ذنب فرد، ولا قبيلة ذنب شخص.

*{ولا تزر وازرة وزر أخرى}*

4.بإبراز الإيجابيات التاريخية دون مبالغة

*العرب لهم فضل، ولغير العرب فضل، والحضارة الإسلامية نتاج الجميع.*

 

????خاتمة

إن الخطاب الذي يشتم العرب ويطعن في قبائل الأمة ليس شجاعة ولا نقداً، بل هو هروبٌ من مواجهة الحقيقة السياسية، وانحرافٌ عن نهج القرآن،

*{لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}* [التوبة:117]

 وتشويهٌ لتاريخٍ شاركت في بنائه ملايين من العرب والمسلمين من كل الأمم.

   والحقيقة الثابتة التي لا غبار عليها هي أنّ العرب كانوا-ولا يزالون-جزءاً أساسياً من نسيج هذه الأمة، وأن الشتيمة ليست فكراً، ولا النقد سباباً، وأن من أراد الإصلاح فليبدأ بالصدق، لا بالتجريح.

{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا }

﴿الإسراء:53﴾


مشاهدات 127
الكاتب رعدهادي جبارة
أضيف 2025/11/29 - 3:38 AM
آخر تحديث 2025/11/29 - 9:18 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 753 الشهر 21599 الكلي 12783102
الوقت الآن
السبت 2025/11/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير