رئيس مجلس الوزراء من الزعامة إلى المنظومة
كيف تعيد الدولة ترتيب مركز القرار ؟
حسين الاسدي
منذ عام 2003 تعيش التجربة العراقية في ظل معادلة معقدة: قوى سياسية شيعية تتحمل العبء الأكبر في حماية النظام السياسي وصون الدولة، وفي الوقت نفسه تتعرض لضغوط هائلة من الشارع والشركاء الإقليميين والدوليين، ومن طبيعة الدولة المرهَقة نفسها، في هذا السياق برز موقع رئيس مجلس الوزراء بوصفه نقطة التقاء لهذه التحديات كلها؛ فهو من جهة ابن هذه القوى ونتاج تفاهماتها، ومن جهة أخرى مطالب بأن يكون رئيساً لكل العراقيين، وقائداً لآلة تنفيذية مترامية الأطراف، وممثلاً للدولة أمام العالم.
تجربة الدورات المتعاقبة كشفت أن الإشكال ليس في هوية هذا المكوّن ولا في شرعية دوره، بل في طريقة تنظيم العلاقة بين القوى الشيعية ورئيس مجلس الوزراء وبقية مؤسسات الدولة، في كثير من الأحيان يتحول المنصب إلى مشروع زعامة فردية، يعتمد على شبكات الولاء الشخصي والظهور الإعلامي والتفاهمات الخاصة، أكثر مما يعتمد على قواعد مؤسسية مكتوبة، النتيجة تكون دولة مثقلة بالملفات المؤجلة، وحكومات قصيرة النفس، وبرامج سرعان ما تتعرض للاهتزاز عند أول أزمة سياسية أو اقتصادية.
فكرة الانتقال
من هنا تأتي فكرة الانتقال من نموذج رئيس مجلس الوزراء الزعيم إلى نموذج رئيس مجلس الوزراء القائد التنفيذي ضمن منظومة، المقصود ليس نزع البعد السياسي عن المنصب، ولا تحجيم القوى التي أوصلته، بل العكس تماماً: تثبيت دور هذه القوى عبر تحويله إلى منظومة حكم واضحة القواعد، يكون فيها رئيس مجلس الوزراء جزءاً عضويّاً من نظام متكامل، لا مركز ثقل شخصياً يدور الجميع من حوله، في هذه المنظومة يستند الرئيس إلى عقد تفويض سياسي مكتوب مع المرجعية السياسية الشيعية، يحدد الأهداف الكبرى للدورة، والملفات ذات الأولوية، وهوامش الحركة المقبولة، وآليات التصحيح عند الحاجة.
هذا العقد يمنح رئيس مجلس الوزراء غطاءً سياسياً صلباً يقيه تقلب المزاج اللحظي داخل الساحات المختلفة، ويمنح الإطار السياسي في المقابل ضمانة بأن المشروع الحكومي لن يتحول إلى منصة لبناء زعامة فردية منفصلة، بذلك تتحول العلاقة من دائرة الشك المتبادل والتوجس من خروج الرئيس عن السيطرة إلى شراكة منظمة تقوم على الوضوح والمحاسبة والنتائج، إن قوة الحكم هنا لا تأتي من تشديد القبضة على الأشخاص، بل من قوة القواعد التي تحكم عملهم.
الركن الثاني في هذا التصور هو بناء خطة تشريعية مشتركة بين القوى الشيعية ورئيس مجلس الوزراء، تنطلق من حقيقة أن جزءاً كبيراً من القوانين النافذة صيغ في مرحلة سابقة على الدستور الحالي بما واقعه اكثر من 84 بالمئة المطلوب هو الانتقال من إدارة الدولة بالتعليمات والقرارات والاستثناءات المتفرقة إلى بناء حزم تشريعية مترابطة، في مجالات الخدمة المدنية والمالية العامة والحكم المحلي وتنظيم السلطة التنفيذية وغيرها، هذه الحزم تُعدّ وتُدار عبر قنوات مؤسسية منسقة بين الحكومة والكتلة النيابية واللجان المختصة، بما يتيح تحديث الإطار القانوني للدولة بفلسفة منسجمة مع الدستور ومع رؤية الحكم الشيعي الوطني لدولة عادلة وقوية.
خطة تنفيذية
إلى جانب ذلك يقترح التصور خطة تنفيذية ثلاثية الأفق: أفق قصير المدى لمعالجة الاختناقات التي تمس شرعية الحكومة مباشرة أمام المواطنين، مثل ملفات الكهرباء وفرص العمل والخدمات الحضرية الأساسية؛ وأفق متوسط خلال دورة حكومية واحدة لمعالجة عقد بنيوية أعمق في الاقتصاد والبنى التحتية والتعليم والصحة ومحاربة الفساد؛ ثم أفق بعيد المدى يمتد لعقدين لنقل الاقتصاد من الريعية إلى الإنتاج، وبناء بنية تحتية وخدمات مستدامة قادرة على استيعاب النمو السكاني والتغيرات البيئية، بهذا المعنى يصبح الحكم الشيعي مشروعاً تنموياً طويل النفس، لا إدارة يومية لأزمات متلاحقة.
ولا يكتمل هذا البناء من دون إعادة تعريف دقيقة لموقع الوزير، فالوزير في هذا النموذج ليس دولة داخل الدولة تديرها جهة حزبية بمعزل عن بقية المنظومة، كما أنه ليس موظفاً تقنياً منزوع الجذور السياسية، هو قائد قطاعي يلتزم بترتيب واضح للولاءات: الدستور والدولة أولاً، ثم البرنامج الحكومي الذي التزمت به القوى الداعمة، ثم المرجعية الحزبية، وأخيراً الاعتبارات الشخصية والمناطقية، هذا الترتيب يحفظ احترام الانتماء السياسي المشروع، لكنه يمنع في الوقت نفسه تحويل الوزارة إلى منصة فئوية ضيقة أو إلى رافعة لزعامة فردية جديدة.
وبالمنطق نفسه يُعاد تنظيم دور النائب الشيعي، بحيث يصبح جزءاً من منظومة متكاملة، لا لاعباً منفرداً ينافس رئيس مجلس الوزراء أو الإطار على قيادة الشارع، النائب في هذا التصور يمارس وظيفته التشريعية والرقابية كاملة، لكن ضمن قواعد تضبط العلاقة بينه وبين الحكومة وبين مرجعيته السياسية، وتفرق بين الرقابة الهادفة إلى تصويب الأداء وبين الحركات التي تهدد استقرار الدولة أو تفتح الباب أمام خصومات داخلية تستنزف الجميع، ولأجل ذلك تُقترح قنوات مؤسسية للربط بين النواب والحكومة، تضمن التعامل العادل مع المطالب المحلية، وتغلق الباب أمام المزاجية والصفقات العابرة.
في خاتمة هذا التصور تبرز فكرة مركزية: أن حماية دور المكوّن الشيعي في الدولة لا تتحقق بتكثير الشخصيات ولا بتعدد مراكز الخطاب، بل ببناء منظومة حكم شيعي وطني حديثة، تستند إلى عقود تفويض مكتوبة، وخطط تشريعية وتنفيذية واضحة، وعلاقات منضبطة بين المرجعية السياسية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء والنواب، عندئذ يمكن لهذا الدور أن يتحول من عبء دائم ومصدر للاتهامات إلى رافعة حقيقية لدولة قوية، وشراكة متوازنة مع بقية المكونات، ومسار تنموي طويل الأمد يشعر ثماره جميع العراقيين.
هذه المقالة خلاصة مكثفة لكتاب تفصيلي يقارب 400 صفحة، عُرضت فيه الأسس النظرية والبيانات والتصاميم المؤسسية لهذا النموذج المقترح للحكم التنفيذي في العراق.
□ مستشار رئيس مجلس الوزراء لشؤون التشريع ورئيس لجنة التشريع البرلمانية